في خزائن التاريخ أوراقٌ لا تبدو للوهلة الأولى سوى حبرٍ على رقٍّ أو سطورٍ متعاقبة بخط يدٍ قديم، غير أن بعضها يحمل بين طياته ما هو أبعد من الكلمات؛ يحمل ذاكرة مدن، وأنساب رجال، وأملاكاً، وأوقافاً، وعلاقات اجتماعية ودينية وسياسية امتدت آثارها عبر القرون.
ومن بين هذه الوثائق تبرز حجة وقف شرعية عثمانية ترتبط ببلاد طرابلس وفزان وودان، وتفتح أمام الباحث نافذة نادرة على المجتمع الليبي في مرحلة دقيقة من تاريخه. فهي لا تسجل مجرد تحبيس عقار وريع، وإنما تحفظ لنا أسماء رجالٍ عاشوا في ذلك الزمن، وتكشف عن شبكة من العلاقات بين الواقف، وأهل العلم، والموثقين، وبيوت الأشراف، كما تحفظ صياغات شرعية وقانونية صيغت بعناية لضمان بقاء الوقف وصيانة رقبة العقار من البيع والهبة والإرث.
وفي قلب هذه الحجة ترد أسماء تستوقف الباحث، من بينها النايب زار به بن محمد المصري المراد الجديدي صاحب الوقف، والشيخ محمد بن أحمد بن إبراهيم العجالي، وعريبي بن مسعود بن سليمان كاتب الوثيقة وموثقها. ومن هنا تبدأ رحلة البحث في دلالات الأسماء والألقاب، وفي صلاتها بالواقع الاجتماعي والقبلي في طرابلس وفزان وودان، وبما حفظته الوثائق والمشجرات من أخبار الأشراف والقبائل المتصلة بهم.
وتزداد الوثيقة إثارةً حين تُقرأ إلى جانب ما نُسب إلى الأشراف الوادنين من مشجرات ووثائق نسب، وما يرد فيها من أسماء وفروع وأجداد تتقاطع، بحسب الروايات والوثائق المتداولة، مع أصول وفروع أخرى من الأشراف في بلاد المغرب وليبيا. وهنا تظهر أسئلة التاريخ الكبرى: هل نحن أمام مجرد تقارب في الأسماء، أم أمام امتدادات اجتماعية ونَسَبية أعمق؟ وما الذي يمكن إثباته من خلال النصوص نفسها، وما الذي يبقى في دائرة الاحتمال والبحث؟
كما تكشف صياغة الوقف عن عالمٍ كانت فيه الحجة الشرعية سلاحاً لحفظ الحقوق، وكانت ألفاظ مثل: «مربوطاً ومقفولاً ومحرماً» و*«لا يباع ولا يوهب ولا يورث»* تحمل معنى قانونياً ودينياً يتجاوز البلاغة، لتؤكد إرادة الواقف في إخراج المال من دائرة التصرف الخاص وربطه بالوقف على وجه التأبيد. ويأتي ختم هذه الصياغات بعبارات قرآنية تؤكد معنى البقاء والتأبيد، في مشهد يجمع بين قوة النص الشرعي وهيبة الوثيقة وقوة الذاكرة التاريخية.
وتعود بنا الوثيقة إلى طرابلس في أواخر القرن الثامن عشر ومطلع القرن التاسع عشر، إلى زمن يوسف باشا القره مانلي، حين كانت السلطة والثروة والعقار والأوقاف تتداخل في مشهد سياسي واقتصادي شديد التعقيد. وفي ذلك السياق يصبح الوقف أكثر من عبادةٍ وصدقة؛ إذ يغدو أيضاً وسيلة لحفظ المال، وتثبيت الحقوق، وضمان استمرار الريع، وحماية الملكية من تقلبات الزمن والسلطة.
ولعل أكثر ما يثير الدهشة أن رحلة هذه الوثيقة لم تنتهِ بانقضاء عصرها؛ فقد عبرت من طرابلس العثمانية إلى ليبيا الحديثة، وظلت قصة الوقف حاضرة في السجلات والوثائق والإدارة الوقفية، شاهدةً على قدرة الوثيقة الشرعية على عبور القرون، وحفظ أثر أصحابها بعد أن غابوا عن الدنيا.
وهكذا، فإننا لا نقرأ في هذه الصفحات مجرد حجة وقف قديمة، بل نقرأ قطعة من ذاكرة ليبيا؛ ذاكرةً اجتمع فيها الوقف والنسب والعقار والسلطة والعلم، وتشابكت فيها طرق طرابلس وفزان وودان، وترك رجالها أسماءهم في وثيقة بقيت شاهدةً على عصرهم.
ومن هنا تبدأ الحكاية…
وثيقة حبس وقفية إسلامية شرعية خلال العهد العثماني بتوثيق الشريف عريبي بن مسعود بن سليمان (من الأشراف الوادنة) المرتبط بقبائل "بنو كولان" بمدينة ودان بليبيا.
- نوع الوثيقة: هذه الصفحة ليست من كتاب مطبوع، بل هي وثيقة حبس أو وقفية إسلامية شرعية (حجة وقف/حبس) أصلية مكتوبة بخط اليد.
- مصدرها الجغرافي والتاريخي: ترتبط الوثيقة بليبيا (منطقة طرابلس وفزان خلال العهد العثماني، حيث يتضح ذلك من خلال الإشارات والمسميات داخل النص (مثل: “بلد طرابلس”، “أولاد سليمان”)، وهي مسجلة ضمن مجاميع الأرشيفات الرقمية التي تعنى بنشر وثائق عرفية وتاريخية قديمة تختص بتلك المنطقة.
موضوع الوثيقة:
الوثيقة تُسجّل عملية “تحبيس” وقف مؤبد لـ “ريع” أو عقار وأملاك تخص الواقف لصالح جهة خيرية أو ذرية معينة، مشروطة بالصيغة الشرعية المعتادة لضمان عدم بيعها أو توريثها استناداً لإقتباس من لآية كريمة حيث يحدد النص: “حتى يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين ” و هو تعبير مشهور من دمج الموضعين التاليين:
- القسم الأول: مُقتبس من الآية 40 في سورة مريم: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾.
- القسم الثاني: مُقتبس من خاتمة الآية 89 في سورة الأنبياء على لسان سيدنا زكريا: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾.
الأسماء الرئيسية الواردة في السطور :
لم يُذكر اسم “الشريف الوادني” بلفظه الصريح متن هذه الوثيقة إنما ذكر ما يلي:
- النايب زار به بن محمد المصري المراد الجديدي – الواقف أو الموكّل.
- الشيخ محمد بن أحمد بن إبراهيم العجالي – الجهة الموقوف عليها أو ناظر الوقف.
- عريبي بن مسعود بن سليمان – كاتب الوثيقة / الموثق.
ومع ذلك، من الناحية التاريخية والاجتماعية في تلك المنطقة (ليبيا)، فإن كاتب الوثيقة “عريبي بن مسعود بن سليمان“ والشهود والأسماء المذكورة فيها يرتبطون مباشرة بـقبائل السادة الأشراف في فزان وودان ومسلاتة، وتُتداول هذه الوثيقة في المجموعات التاريخية بوصفها جزءاً من إرث الأشراف الودانين والقبائل المتصلة بهم في ليبيا .
أبرز البيانات والمعلومات الواردة في الوثيقة الشرعية التاريخية:
- طبيعة الوثيقة ونوعها
- النوع: حجة وقف شرعي مؤبد (تُعرف تاريخياً في المغرب العربي وليبيا بـ “وثيقة تحبيس”.
- أطراف الوثيقة – الأسماء
- الواقف – المُحبِّس: النايب زار به بن محمد المصري المراد الجديدي.
- ناظر الوقف أو الموقوف عليه: الشيخ محمد بن أحمد بن إبراهيم العجالي.
- كاتب وموثق الوثيقة: العبد لله تعالى عريبي بن مسعود بن سليمان.
- نوعية العقار والأملاك الموقوفة
- كامل الربع: والمقصود بالربع هنا عقار، دار سكنية، أو محل تجاري يعود بالريع.
- الملحقات والمكملات: شمل الوقف سائر ما زاد عن العقار من “رتيب” (أملاك راتبة أو دخل مستمر) ومرتبطات أخرى داخلة وخارجة، وسواد ومنساق، وقريب وبعيد.
- الموقع الجغرافي: يقع العقار والأملاك المذكورة في بلد طرابلس وأطرافها.
- شروط الوقف وصيغته القانونية
- الحالة الأهلية للواقف: أقرّ الواقف بالتحبيس وهو في حالة صحية تامة وطوع واختيار، وجواز أمره شرعاً.
- شروط الحبس: وقفاً مربوطاً ومقفولاً ومحرماً، يُمنع فيه منعاً باتاً:
- البيع
- الهبة
- الإرث
- الغاية: صدقة لوجه الله العظيم طلباً للثواب والأجر في النعيم المقيم، حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
- التوثيق والتاريخ
- الشهادة: تمت الوثيقة بالإشهاد الشرعي والسمع من الواقف وهو بالحالة المعتبرة شرعاً.
- تاريخ تحرير الوثيقة: أواخر ذي الحجة سنة عشرين وأربعمائة وألف هجرية – ١٤٢٠ هـ
مقارنة الأسماء الواردة في وثيقة (حجة الوقف) مع قاعدة بيانات شجرة اعائل عبدالله الإدريسية على الموقع
عند مطابقة الأسماء الواردة في وثيقة (حجة الوقف) مع قاعدة بيانات الشجرة الإدريسية على هذا الموقع ، نجد نتائج دقيقة توضح من تم إثبات نسبه الشريف ومن تندرج أسماؤهم تحت تصنيفات أخرى:
- الاسم المطابق والمثبت نسبه: الشيخ محمد بن أحمد بن إبراهيم العجالي
- في الوثيقة: هو الطرف الموقوف عليه أو ناظر الوقف.
- في الشجرة الإدريسية : نجد مطابقة وثيقة الصلة؛ حيث يذكر نص الشجرة تحت السطر (195) اسم جد القبيلة “أكسير العجيبي“ كأحد فروع الأدارسة الحسنيين الذين استقروا في القلعة ببلاد المغرب والمشرق.
- النتيجة: عائلة العجالي (أو العجيبي/العجيلات) المسكوبة في بلاد طرابلس وفزان وتونس لها جذور مثبتة صراحة في المخطوطات الإدريسية كفروع شريفة ممتدة من نسل إدريس الأصغر.
- الاسم المرتبط بالتوثيق العرفي للقبائل: عريبي بن مسعود بن سليمان
- في الوثيقة: هو كاتب الوثيقة والموثق الشرعي لها.
- في الشجرة الإدريسية : يتكرر ذكر فرع “أولاد سليمان“ بشكل لافت في المشجرات الإدريسية (السطور 16، 47، 175) كأحد الفروع المنتشرة بين فجيج، وتلمسان، وودان بليبيا.
- النتيجة: كاتب الوثيقة ينتمي لـ “أولاد سليمان“، وهي القبيلة التي تذكرها الوثائق التاريخية في القطر الليبي وودان بصفة “الأشراف الودانيين” أو حلفائهم المقربين، مما يفسر اعتماده ككاتب عدل موثوق للحقوق والأوقاف.
- الاسم الإداري/المحلي: النايب زار به بن محمد المصري المراد الجديدي
- في والثيقة: هو الواقف صاحب الأملاك والعقار.
- في الشجرة الإدريسية : لا يوجد أي ذكر لعائلة “المراد الجديدي” أو “المصري” في نسب الأدارسة.
بالنتيجة هذا الاسم يمثل عائلة من أصول مصرية أو مرادية (مرتبطة بالعهد العثماني في طرابلس) استقرت في “المراد الجديدي” بطرابلس. وبما أنه لا يحمل نسباً شريفاً داخل الشجرة، فقد لجأ إلى “الشيخ العجالي“ الذي يمتلك الشرعية والنسب الشريف ليجعل وقفه تحت ناظريته أو لصالح زاوية من زواياه تبركاً وضماناً لحماية الوقف من المصادرة.
تاريخ عائلة العجالي في طرابلس
- الجذور الإدريسية الحسينية: عائلة العجالي (تُعرف تاريخياً بـ “العجيبي” أو “أولاد العجّال”) تلتقي نسباً مع بقية فروع الأشراف الأدارسة المحفوظة في المخطوطات القديمة.
- الامتداد الجغرافي والروحي: برزت العائلة تاريخياً في القطر الليبي (بين طرابلس، ومسلاتة، والجنوب) كبيوت علم وتصوّف وفقهاء أشراف، وإليهم تُنسب زوايا طرق صوفية ومساجد أمّها الناس تبركاً بنسبهم.
- الحماية الاجتماعية: وضع “المراد الجديدي” أوقافه تحت نظارة الشيخ العجالي لكون الأخير شريفاً يتمتع بحصانة دينية ومكانة مهابة تحمي الوقف من مصادرات الولاة في العهد العثماني.
علاقة الشيخ العجالي بوثيقة نسب الوادنة - 1973
من خلال مطابقة وثيقة الشيخ العجالي مع وثيقة الكاتب بشير فرج محمد الوادني الصادرة عام 1973 على هذا الموقع، تظهر الروابط التالية:
- الأخوّة والجد المشترك – عبد الله بن إدريس الأصغر:
- وثيقة مسلاتة توضح أن الشرفاء الوادنة ينحدرون من محمد بن عبد الله بن إدريس الأصغر.
- الجدول المرفق يبيّن أن السلسلة الموصلة للوادنة تمر بـ “عبد الله بن مسعود بن عيسى بن عثمان بن إسماعيل بن عبد الوهاب بن يوسف…”.
- هذه السلسلة تلتقي مباشرة مع أصول بني كيلان وأكسير العجيبي – أصل عائلة العجالي – الذين يشتركون في نفس الآباء والأجداد – عثمان بن إسماعيل بن عبد الوهاب.
- الامتداد الجغرافي المشترك: وثيقة عام 1973 تذكر أن الشرفاء الوادنة استقروا في مسلاتة وجنوبها وشرق طرابلس – أشراف الملاحة بتاجوراء وفندق الشريف – . هذا يطابق تماماً النطاق الجغرافي لوثيقة حبس العقارات في “بلد طرابلس وأطرافها“ تحت يد الشيخ العجالي، مما يعكس تداخلاً وثيقاً في السكن والمصاهرة وإدارة الأوقاف بين العائلتين الشريفتين.
لا يوجد تطابق حرفي مباشر بين أسماء سلسلة بشير الوادني وأسماء وثيقة حبس العقارات، لكنهما يلتقيان في الأصول المشتركة:
سلسلة نسب بشير الوادني – ١٩٧٣ م
تنقسم السلسلة تاريخياً إلى ثلاثة أقسام متصلة:
- الأجداد القريبون – عهد الاستقرار بليبيا:
- بشير بن محمد الوادني.
- بن يوسف بن محمد.
- بن الحاج أبوبكر الفاتح.
- بن عبد الرحمن بن خالد.
- بن أحمد بن عبد الله.
- الوسائط – مرحلة الهجرة والمغرب العربي:
- بن عبيد الله بن محمد.
- بن نور الدين بن حمدان.
- بن ناصر بن أبي الوافي.
- بن مالك بن حمدان بن عبد الله.
- الأصول القديمة – عمود النسب الإدريسي:
- بن محمد بن عبد الله.
- بن مسعود بن عيسى بن عثمان.
- بن إسماعيل بن عبد الوهاب.
- بن يوسف بن عمران بن يحيى.
- بن عبد الله بن إدريس الأصغر.
المقارنة الحرفية مع أسماء وثيقة حبس العقارات
- الشيخ محمد بن أحمد بن إبراهيم العجالي:
- الاسم غائب حرفياً عن السلسلة المباشرة لبشير.
- يلتقي معها عند الجد المشترك عثمان بن إسماعيل.
- كلاهما من ذرية عبد الله بن إدريس الأصغر.
- الكاتب غريب بن مسعود بن سليمان:
- يتطابق اسم والده – مسعود- مع الجد – عبد الله بن مسعود بالسلسلة.
- يرجع لقبيلة أولاد سليمان المذكورة كفرع موازٍ للوادنة.
- النايب زار به بن محمد المصري المراد الجديدي:
- غائب تماماً حرفياً وضمنياً عن المشجرات الشريفة.
- اسم سياسي وإداري مرتبط بالعهد العثماني بطرابلس.
تحمل الألقاب في وثائق طرابلس الغرب إبّان العهد العثماني دلالات شديدة الدقة؛ حيث لم تكن مجرد أسماء عائلية، بل مؤشرات قانونية واجتماعية تعكس الرتبة والولاء العسكري والمنشأ الجغرافي.
دلالات التركيبة الخاصة بلقب - النايب زار به بن محمد المصري المراد الجديدي - الوارد في الوثيقة
- دلالة “المراد” أو “المرادي“
- الارتباط بـ “مراد باشا“: يُعد مراد باشا أول والٍ عثماني على طرابلس الغرب بعد طرد فرسان القديس يوحنا – سنة 1551م.
- الانتماء إلى كفالة الوالي – المرادية: جرت العادة العثمانية أن يُنسب القادة العسكريون، المماليك، أو المنتفعون بالإقطاعات والأراضي إلى الباشا الذي أعتقهم أو وظّفهم أو منحهم الامتياز العقاري. وعليه، فإن صفة “المراد” تعني تاريخياً أن العائلة نالت حظوتها وأملاكها الأصلية في طرابلس تحت كنف “المرادية” – إما نسبة لمراد باشا الأول أو أحد القادة التابعين له.
- دلالة لفظ “الجديدي“
- الحداثة الإدارية أو المعمارية: في التوثيق العثماني بطرابلس، يُستخدم وصف “الجديدي” للتمييز بين أمرين:
- التمييز بين الفروع: للتفريق بين فرع قديم من العائلة وفرع “جديد” استجد في القيادة أو انتقل إلى خط إداري آخر.
- الارتباط بالمنشآت الحديثة: قد تُنسب إلى طائفة عسكرية أُعيد تنظيمها حديثاً، أو نسبة إلى “المحلة الجديدة” أو “الربع الجديد” المعمور في المدينة خارج النطاق القديم؛ وهو ما يفسر قوله في الوثيقة: “أنه حبس كامل الربع وساير ما زاد به من رتيب وغير ذلك… في بلد طرابلس“.
- طائفة الكراغلة والإنكشارية: كثيراً ما أُطلقت هذه الأوصاف على النخب العسكرية العثمانية التي تم تصفيتها أو تجديد ديوانها بعد الثورات والانقلابات الداخلية بين الأوجاقات (الفئات العسكرية) في إيالة طرابلس.
- دلالة لفظ “المصري“
- المنشأ الجغرافي والخط الإداري: تعكس الدفاتر العثمانية حركة واسعة للقادة العسكريين والتجار بين إيالة مصر وإيالة طرابلس الغرب. حمل اللقب يشير إلى أن الجد الأقرب للواقف جاء من مصر كموظف عسكري (إنكشاري) أو كتاجر حظي بامتيازات ملكية في طرابلس، واندمج مع النخبة الحاكمة “المرادية” هناك.
- دلالة رتبة “النايب“
- الصفة الوظيفية: تصدُّر الاسم بلقب “النايب” يوضح أن الشخص كان يشغل منصباً رسمياً؛ مثل نائب القاضي الشرعي، أو نائب المحتسب (المسؤول عن الأسواق والمالية في الولاية)، أو نائباً عسكرياً ينوب عن الباشا في جباية الضرائب أو إدارة الأقاليم المحيطة بطرابلس.
هذا اللقب المركب يرسم ملامح شخصية أرستقراطية عسكرية/إدارية من النخبة الحاكمة لإيالة طرابلس العثمانية، يمتلك عقارات واسعة ذات ريع جُمعت عبر وظائف الدولة، ولكنه لا ينتمي للأسر المحلية أو الأشراف؛ وهو ما دفعه شرعاً لوضع هذه الأملاك تحت مظلة “الشيخ العجالي” الإدريسي لضمان حصانتها الدينية والقانونية.
ولاة طرابلس في الحقبة التي كُتبت فيها الوثيقة
أرتباط ولاة طرابلس في الحقبة التي كُتبت فيها الوثيقة بالصراع على الأوقاف وتحليل مصطلح “الرتيب والسواد” الوارد في النص لمعرفة طبيعة الدخل العقاري آنذاك:
الحاكم المطلق لإيالة طرابلس الغرب خلال الحقبة التاريخية التي كُتبت فيها الوثيقة (بين عامي 1214 هـ و1220 هـ / 1799 – 1805 م) هو الوالي الشهير يوسف باشا القره مانلي.
ربط عهد هذا الوالي بالصراع المحتدم على الأوقاف والأملاك في طرابلس يوضح الأسباب السياسية والاقتصادية الدقيقة التي دفعت “النايب زار به المصري” لكتابة حجة الوقف هذه:
- الأزمة المالية لـ يوسف باشا القره مانلي
- الحرب البحرية والإنفاق: شهدت هذه الفترة تحديداً (1801 – 1805 م) اشتعال الحرب بين طرابلس والولايات المتحدة الأمريكية (حرب السنوات الأربع.
- استنزاف الخزينة: تطلّب بناء الأسطول الطرابلسي وتجهيز الجند أموالاً طائلة، مما جعل الشغل الشاغل للباشا هو “ملء الخزينة” بأي وسيلة.
- فرض الضرائب والمصادرات: فرض الباشا ضرائب باهظة غير مسبوقة على الأعيان والتجار، وكان يلجأ مصادَرة أملاك موظفي الدولة والقيادات العسكرية السابقة عند عزلهم أو وفاتهم لتغطية العجز المالي.
- خطر المصادرة على ألقاب “المرادية” و”المصريين“
- بما أن الواقف يحمل ألقاباً إدارية عثمانية مرتبطة بعهود سابقة (المراد الجديدي / النايب)، فإن أملاكه العقارية الواسعة في “بلد طرابلس” كانت صيداً سهلاً ومستهدفاً من قِبل جُباة الضرائب التابعين للأسرة القره مانلية.
- الوقف كـ “درع حماية قانوني” ضد السلطة
- الحصانة الدينية للأشراف: تميز عهد يوسف باشا باحترام وتهيب مكانة السادة الأشراف الأدارسة (مثل عائلة الشيخ العجالي) والزوايا الصوفية لتفادي الثورات المحلية.
- الالتفاف الذكي: عندما قام “النايب زار به” بتحويل العقار (الربع) إلى “وقف حبس مؤبد” تحت نظارة أو لصالح الشيخ الإدريسي العجالي، فإنه نزع عن العقار صفة “الملكية الخاصة” القابلة للمصادرة من الدولة، وألبسها ثوب “الحرمة الدينية“.
الصراع العقاري و دوره في الحقبة القره مانلية و هدفه من الوثيقة:
- يوسف باشا القره مانلي – والي الإيالة المستنزف مالياً بسبب الحروب – فرض الضرائب ومصادرة ريع العقارات.
- النايب زار به المصري – مسؤول إداري يمتلك عقارات وأملاك راتبة – حماية ثروة عائلته من مصادرات الوالي.
- الشيخ العجالي الإدريسي – رمز ديني يتمتع بحصانة النسب الشريف – تثبيت الحقوق وضمان استمرار الوقف خيراً.
الصياغات الشرعية الصارمة المذكورة بالوثيقة وكيف صُممت قانونياً
تحمل العبارات القانونية والشرعية الواردة في الوثيقة مثل “مربوطاً ومقفولاً ومحرماً” دلالات قضائية صارمة، حيث لم تُكتب لمجرد البلاغة اللفظية، بل صُممت بعناية فائقة كصياغة مانعة وثغرة مضادة لإغلاق الباب تماماً أمام قضاة ومفتي الباشا (يوسف باشا القره مانلي) الذين كانوا يحاولون أحياناً إيجاد مسوغات قانونية لإبطال الأوقاف ومصادرتها لتغذية خزينة الدولة.
التحليل الشرعي والقانوني لهذه الصيغ وكيفية عملها لتعجيز السلطة:
- تفكيك المصطلحات الثلاثة ودلالتها القانونية:
- “مربوطاً“: تعني في الفقه المالي القديم ربط رقبة العقار بالجهة الموقوف عليها ربطاً وثيقاً لا ينفك. من الناحية القانونية، تُخرج هذه الكلمة العقار من التداول التجاري الحر، فلا يجوز رهنه، أو جعله ضماناً مالياً لأي دين قد يترتب على الواقف أو ذريته لاحقاً، وبذلك يُحمى العقار من الحجز القضائي للدولة.
- “مقفولاً“: مأخوذة من القفل، والإغلاق التام. دلالتها القانونية تعني “إغلاق باب التصرّف النقلي“. أي لا يملك أحدٌ مفتاح التغيير في عينه، فلا يُباع، ولا يُستبدل، ولا يُشترى، ولا يُنقل من مكان إداري إلى آخر، ويبقى مغلقاً على شرط واقفه الأول.
- “محرماً“: الصبغة الدينية المباشرة. تعني إضفاء “الحُرمة الشرعية” التي تجعل من يمس هذا العقار أو يغير شرطه واقعاً في الإثم الكبير والمحرمات الدينية القطعية (كحرمة مال اليتيم والمسجد). هذه الكلمة تلعب على الوازع الديني للقضاة والمفتين، فإبطال الوقف بعد وصفه بالمحرم يضع القاضي في مواجهة مباشرة مع الشريعة أمام العامة.
- الصياغات المانعة الإضافية لتعجيز قضاة الباشا:
لم يكتفِ الكاتب بهذه الكلمات الثلاث، بل أتبعها بترسانة من الجمل الفقهية المانعة:
- “لا يُباع ولا يُوهب ولا يُورث“:
- كيف تُعجز القضاة؟ في قضاء تلك الحقبة، كان قضاة الباشا يستغلون ثغرة “الهبة المسستترة” أو “البيع الصوري” للالتفاف على الأوقاف وتحويلها لملكيات خاصة تسهل مصادرتها. النص صراحة على نفي الأوجه الثلاثة (البيع، الهبة، الإرث) قطع الطريق على أي تأويل قضائي.
- “حتى يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين“:
- كيف تُعجز القضاة؟ هذا النص يفيد “التأبيد القطعي”. بعض المذاهب الفقهية (كالمالكية في بعض الأقوال العرفية) قد تجيز إبطال الوقف إذا كان مؤقتاً أو انقطع نسله. ذكر هذه الآية ينقل ملكية العقار “الاعتبارية” إلى الله عز وجل، ولا يجرؤ قاضٍ شرعي على إصدار حكم بمصادرة ملكية نُسبت لله تبارك وتعالى.
- “وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون“:
- كيف تُعجز القضاة؟ إدراج هذه الآية الكريمة (وهي آية وعيد وتهديد) في نهاية حجة الوقف يُعد “تحذيراً قضائياً مبطناً“. الواقف هنا يرهب القاضي أو الوالي الذي قد تسول له نفسه إبطال الوثيقة مستقبلاً، واصفاً إياه بـ “الظالم”، مما يجعل التعدي على الوقف مجلبة للفضيحة الاجتماعية والدينية للحاكم.
- حصن التوثيق: “سمع منه وعرفه وهو بالحالة الموصوفة أعلاه“
أحد الأساليب التي كان يلجأ إليها جباة الباشا لإبطال أوقاف الأعيان بعد وفاتهم هو الطعن في أهليتهم العقلية أثناء كتابة الوقف – مثل ادعاء أنه كتبها في مرض الموت، أو كان فاقداً للوعي والتصرف.
- صياغة التحصين: جاءت عبارة الموثق قاطعة: “سمع منه وعرفه وهو بالحالة الموصوفة أعلاه [أي بحال صحة وطوع وجواز أمره]”. هذا النص يغلق ثغرة الطعن في أهلية “النايب زار به” القانونية تماماً، ويجعل الوثيقة غير قابلة للنقض من الناحية الموضوعية.
الوقف في الوقت الحالي
أصبح هذا الوقف في الوقت الحالي (عام 2026 م) تحت الإدارة والولاية المباشرة لـ الهيئة العامة للأوقاف والشؤون الإسلامية في ليبيا، وتحديداً عبر مكتب أوقاف طرابلس المركز، كأحد العقارات والأملاك التاريخية المحصورة ضمن المنظومة الرقمية لأملاك الوقف.
مرّ هذا العقار التاريخي (الربع وملحقاته) بمحطات وقوانين مفصلية في التاريخ الليبي الحديث غيّرت من واقع إدارته، وذلك على النحو التالي:
- إلغاء الوقف الأهلي – عام 1973 م
في بداية السبعينات، أصدر النظام الليبي السابق القانون رقم 16 لسنة 1973 م بشأن إلغاء الوقف على غير الخيرات.
- قضى هذا القانون بإلغاء ما يُعرف بـ “الوقف الأهلي أو الذري” – الذي يُحبس لصالح الأبناء والأقارب.
- تحولت جميع الأوقاف في ليبيا بموجب هذا القانون إلى “أوقاف خيرية عامة” تنفق غلتها وريعها على المصالح الإسلامية العامة (كالمساجد، المدارس القرأنية، ومساعدة الفقراء)، وهو ما انطبق على عقار “النايب زار به” ليتحول من نظارة عائلة الشيخ العجالي إلى إدارة الدولة مباشرة.
- هدم الأرشيف ونقل الحجج الشرعية
تعرضت مكتبة الأوقاف التاريخية بطرابلس والتي كانت تضم جميع السجلات والحجج العثمانية القديمة للهدم في السبعينات لتوسيع ميدان الشهداء – الساحة الخضراء سابقاً.
- تم نقل حجج الأوقاف القديمة وسجلاتها (ومن بينها هذه الوثيقة والوثائق المشابهة لها) إلى سراديب السرايا الحمراء لحمايتها وضمان عدم ضياع حقوق الملكية.
- نُقلت لاحقاً في التسعينات إلى مركز الجهاد للدراسات التاريخية – المركز الليبي للمحفوظات والدراسات التاريخية حالياً – لتصبح جزءاً من الأرشيف الوطني التاريخي لتوثيق ملكيات مدينة طرابلس القديمة وأطرافها.
- الوضع الاستثماري والقانوني المعاصر – 2026 م
- الحصر الرقمي: تقوم لجان حصر أملاك الوقف التابعة للهيئة العامة للأوقاف حالياً بحملات واسعة ومستمرة لمطابقة هذه الحجج الورقية القديمة مع العقارات القائمة على أرض الواقع في طرابلس لإعادة تثبيت ملكيتها.
- عقود الإيجار: العقارات التاريخية من هذا النوع (الأرباع والمحلات) القائمة في أحياء طرابلس القديمة وأطرافها يُعاد استثمارها حالياً؛ حيث يتم تحرير عقود إيجار رسمية لشاغليها الحاليين لصالح صندوق الأوقاف، وتذهب هذه الريوع والتحصيلات لتمويل صيانة المساجد العتيقة والزوايا الدينية في الإقليم.
بذلك، وعلى الرغم من تغير الحكومات والأنظمة السياسية المتعاقبة على طرابلس لأكثر من قرنين، نجحت تلك “الصياغات القانونية والشرعية الصارمة” التي ذكرناها في حماية رقبة العقار من البيع أو الفناء، وظل مسجلاً ومحفوظاً كحق وقفي قائم حتى يومنا هذا.
رحم الله النايب زار به بن محمد المصري المراد الجديدي على وقفه الكريم و الشيخ محمد بن أحمد بن إبراهيم العجالي ناظر الوقف و عريبي بن مسعود بن سليمان كاتب وموثق الوقف ورحم الله جميع من قام بحظ الوقف و إدارته لخير العباد.